هذه الرواية تقدم نفسها بنفسها، فهي تنبض بالحياة على الرغم ممن أرادوا لها الموت، عندما حاولوا في مرات عديدة دون كلل أو ملل وعملوا على ذلك، وتنادوا بإزاحة صوت فارس الهلالي من الوجود لأنه صوت يبدو مختلفا. غير أنه ثابر وتمسك بآرائه ومواقفه حتى النهاية لتثبت الثورة التي أججها التونسيون ذات سنة أن ذاك الصوت المختلف لم يكن نشازا يعزف لوحده بل كان امتدادا له جذور في أعماق الشعب التونسي بمختلف فئاته….
ولم يدع فارس الهلالي ولن يدعي البطولة من خلال ما سرده من وقائع تاريخية موثقة، بل إن قلبه كان ينزف دما وهو يسترجع شريط الذكريات، فيصاب بحالة من الكدر التي لها قدرة على هد الجبال، ويخرج متأزما كلما قلب الأوراق والدفاتر القديمة، وقرأ تفاصيل مجموعة من الاستجوابات الإدارية التي تبعث على التوتر الحاد إلى حد الشعور بالغثيان… ومع ذلك، فقد واصل الحياة في هذا الجزء الثالث من سيرته الذاتية غير عابئ بالنتيجة. وعلى كل حال هذه النتيجة الفعلية باتت الآن تعيش بيننا، وقد عايشناها بعد 2011…
رواية “حياة مع صاحبة الجلالة” تكشف الكثير من الأسرار السياسية والإعلامية التي أرجو ألا تكون عملية الكشف عنها قد تمت بشكل مباشر فج، فهي تكشف “مكر المسؤولين” في نظام منغلق على نفسه مسؤولون صم بكم وعمي ولا أبالغ. وتزداد دائرة الانغلاق حول هذا النظام من خلالهم، فهؤلاء يغطون أجزاء كثيرة من الحقيقة ولا يتورعون عن استعمال كل الأسلحة المتاحة للدفاع عن مصالحهم الضيقة … والضيقة جدا … لكن هذه الرواية تتجاوز إلى حد بعيد الواقع السياسي المتسم بالحدة والانغلاق، لتتناول عصارة تجربة إنسانية ممتدة في الزمان والمكان….
قد يكون فارس الهلالي عنصرا مشاغبا وفق تصنيف أحد المسؤولين عن تحرير إحدى أهم الصحف التونسية وهي الصحيفة الناطقة باسم الحكومة. ويمكن أن يكون قد أخطأ حقا مثل كل بشر يقوم بعمل ما، ولكن ما كان مصدر إزعاج كبير لديه هو ظروف العمل الصحفي اليومية وعدم وجود نفس حر يهيمن على خط التحرير وطريقة اختيار المسؤولين محدودي الموهبة والتصور، وتكليفهم بمهام معلومة مسبقا، في حين أنهم لا علاقة لهم بممارسة العمل الصحفي، بل إنهم قد زرعوا بين الصحفيين للإتيان على ما تبقى من حرية الصحافة والإعلام والتعبير في تونس
لقد خاض فارس الهلالي عددا من المعارك في تلك الحرب التي لم يخطط لها أبدا، وهي بعيدة كل البعد عن حرب طواحين الهواء التي خاضها دون كيشوت « ، وربما يفاجأ الكثير من القراء بوجه آخر لفارس الهلالي بعيد كل البعد عن الطيبة والهدوء والسكينة والحلم التي
عرف بها في الوسطين المهني والعائلي… ومع أنه قد خرج من تلك المعارك بعدد مهول من الجراح النفسية على وجه الخصوص، لكنه اقتنع على ما يبدو بأنه دفع فاتورة رفضه للسير في صفوف القطيع، مع احترام كامل لمن حافظ على شعرة معاوية، فهو فرد ومختلف في الوقت نفسه، ومدافع عن جملة من المبادئ الإنسانية الكبرى وأهمها الحرية وانفتاح التفكير ونكران كل أشكال الضيق،
محاولا الكشف عن معظم وجوه النفاق التي صادفته وهو لا يخشى في ذلك لومة لائم
وسيصادف القراء الكثير من الأسماء سواء الإدارية أو ممن هم في السلطة أو ممن كانت لهم سلطة في المشهد الإعلامي السابق وربما الحالي، وورود أسمائهم ليس من باب التشهير بهم، أو نشر أخبار زائفة عنهم، بل ذلك ما اقتضته الضرورة باعتبار أن تلك الأسماء قد وردت بالفعل في واقع الأمر، بعدد من الاستجوابات الإدارية التي وجهت إلى فارس الهلالي طوال رحلته مع “صاحبة الجلالة” وهي الآن تتجاوز حدود الثلاثين سنة. وإن الأحداث والأسماء ليست مختلقة كما أن إدراجها قد يكون الهدف الأسمى منه هو كشف الحقيقة كما كانت دون مساحيق أو عمليات تجميل. فالكاتب غير مخول أخلاقيا أن يغير ما ورد في دفاتر التاريخ ولو كان ذلك في سيرة ذاتية روائية…
لكن رواية “حياة مع صاحبة الجلالة” كانت زواجا حلالا مع صاحبة الجلالة، فلا هو عرفي ولا هو مخفي عن العيون، لذلك لم يكن هذا الأثر كناية عن عملية توثيق مملة لحقبة تاريخية، بل إنه قد تجاوز حدود عالم الصحافة والإعلام، ليتصل بعالم السياسة وتشعباتها الكثيرة، ليثوي على الكثير من اللمحات الاجتماعية والنفسية وما كان يحاك في تونس من تضييقات متنوعة وكثيرة … ولتجاوز حالة الإحباط من التغيير السياسي، فقد كان للحب نصيب هام في هذه الرواية، كما أن للكدر والمكر نصيب لا يقل أهمية … قد يحمل هذا الأثر جزءا من السيرة الذاتية للمؤلف، لكنه قطعا يحمل الكثير من آلام وآمال جيل بأكمله، وهو في نهاية المطاف ترجمة ذاتية تخرج من الذاتي لتعمم الحكاية ولتستبطن الكثير من العوالم النفسية لمعظم التونسيين الذين عايشوا تلك المرحلة بتقلباتها المتنوعة، فهناك من تشجع وأدلى بدلوه، وهناك من يخاف مواجهة الحقيقة المرة وما زال يحتمى تحت شجرة وارفة الظلال…
Reviews
There are no reviews yet.